الرئيسية / صيدا بين مشهدَين: مدينة المشاريع والنهوض وأخرى تحتضر

صيدا بين مشهدَين: مدينة المشاريع والنهوض وأخرى تحتضر

2018-09-23

صيدا - رأفت نعيم  / المستقبل

من حق كل مواطن أن يعبّر سلمياً عن وجعه في الوقت الذي يريد وفي المكان الذي يكون صوته أسرع بالوصول إلى المسؤول. ومن حق أي نائب منتخب بل من واجبه، أن يدافع عن قضايا الناس الذين انتخبوه ويحمل صوتهم ووجعهم إلى هذا المسؤول. ولا يختلف إثنان على أن مدينة صيدا التي تتأثر بالأزمات الاقتصادية والحياتية والمعيشية وإلى حد ما البيئية، مثلها مثل كثير من المناطق اللبنانية، لها حق على دولتها في الخدمات الأساسية وفي الاهتمام الرسمي بقضاياها.

فصيدا مدينة تمتلك من المقومات الطبيعية والتاريخية والتراثية ما يمكنها من أن يكون لها دور ووظيفة في استقطاب النشاط السياحي والثقافي والتراثي الذي يعود بمردود اقتصادي واجتماعي يُسهم في تنميتها ونهوضها. ولكن، كي تستفيد من هذه المقومات ومن هذا الموقع والدور والوظيفة، تحتاج صيدا إلى عاملين:

 

- الاستقرار الأمني، وهو إلى حد كبير مؤمن بفضل جهود وسهر الأجهزة الأمنية والعسكرية إلا في الحالات الطارئة الناجمة عن وضع المخيمات.

 

- الاستقرار الاجتماعي الذي يتأمن بانتظام الخدمات الأساسية والحياتية للمواطنين والسعي الدائم إلى توفيرها وتحسينها بالتواصل وبالمتابعة مع الجهات الرسمية المعنية، بعيداً عن التوظيف السياسي للقضايا المطلبية وعن اتخاذها وسيلة أو سبباً لإبقاء المدينة تعيش أجواء مشحونة من الاحتقان السياسي والشعبي مع ما يترتب على ذلك من إثارة للقلق والتوترات في الشارع بشكل ينفر الوافدين إليها بقصد السياحة أو التسوق أو العمل والاستثمار ويحوّل الأنظار عن مقوماتها الجاذبة إلى التوترات الناجمة عن تفاعلات التوظيف السياسي والشعبوي للمشكلات التي تعانيها. ولا يعني ذلك أن لا تسعى فاعليات المدينة إلى معالجة أسباب تلك المشكلات، بل إن واجبهم تجاه المدينة يملي عليهم السعي لحلها لكن بهدوء وعبر القنوات الرسمية المعنية بهذه المشكلة أو تلك. لذلك فإن صيدا اليوم وبحسب أوساط صيداوية متابعة لسير الأحداث فيها منذ صدور نتائج الانتخابات النيابية وحتى اليوم، تبدو متأرجحة بين مشهدين.

 

المشهد الأول

 

شهدت المدينة في الفترة الأخيرة أكثر من نشاط وحيوية اجتماعية وسياحية وفنية وثقافية كان أبرزها افتتاح مهرجان صيدا للمأكولات في La Salle وحفل حسن عبد الجواد والأوركسترا الوطنية أمام القلعة البحرية ومع التحضيرات لانطلاقة مهرجانات صيف المدينة السياحية. وتزامن ذلك:

 

- مع انطلاق الموسم السياحي الصيفي على شاطئ صيدا وجزيرتها وبحرها الذي استقبل بالأمس القريب أولى لبنات الحديقة المائية لتجديد الحياة البحرية في محيط الزيرة ومع إظهار نتائج فحوصات علمية على عينات من مياه بحر المدينة أنه نظيف وصالح للسباحة.

 

- مع ما بدأت تشهده مرافقها التراثية والسياحية خصوصاً من حركة استقطاب للزائرين والوافدين والسواح من لبنان وخارجه.

 

- مع تقدم العمل في العديد من مشاريعها الإنمائية وتحضير المدينة لتشهد إطلاق مشاريع جديدة وورش تأهيل وتطوير للعديد من مرافق الخدمات فيها.

 

- مع الاهتمام الرسمي والبلدي بالقضايا الحياتية والبيئية في المدينة بهدف إيجاد الحلول للعديد من مشكلاتها في هذين المجالين.

 

- مع انكباب نخبة من شباب وشابات المدينة على استشراف آفاق جديدة وواعدة لدورها ووظيفتها انطلاقاً من رصد وتقويم ودراسة علمية ووافية للواقع ومقوماته ومشاكله في مختلف القطاعات واقتراح الأفكار والحلول لمعالجة تلك المشكلات، ووضع تصورات مستقبلية لما يريدون لمدينتهم من تنمية اقتصادية واجتماعية وبشرية وتطور ينهض بكل قطاعاتها ومرافقها ويُساهم في تحسين حياة الإنسان فيها.

 

المشهد الآخر

 

يقابل كل ذلك منذ فترة - بحسب الأوساط نفسها - تحركات سياسية تحت عناوين مطلبية كان آخرها التحرك الذي قام به التنظيم الشعبي الناصري أمام بلدية صيدا للمطالبة بزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي وإلزام أصحاب المولدات بتعرفة مخفضة وبتركيب عدادات رغم أن البلدية ليست هي الجهة المسؤولة أو المخولة ولا صاحبة القرار بشأن أي من المطالب الثلاثة! علماً أن الوزارتين المعنيتين بهذا الملف (الطاقة والاقتصاد) وضعتا أسساً وقواعد واضحة لمقاربته من مختلف جوانبه تنطبق على صيدا كما على غيرها من المناطق، الأمر الذي بحسب تلك الأوساط طرح أكثر من تساؤل حول خلفية وأهداف هذا التحرك وما سبقه من تحركات مماثلة وما رافقها من مشاكل وتوترات.

 

استنتاج وخلاصة

وتستنتج الأوساط المتابعة ما يلي:

قد تكون المطالب المرفوعة في هذه التحركات محقّة إلى حد ما، لكنها بالشكل والأسلوب والوجهة التي تُدار فيها تشوه أحقية هذه المطالب وتفرغها من مضمونها كونها لا تذهب بها إلى المواقع المناسبة لمعالجتها بل تذهب بها إلى الشعارات والصراخ واستنفار الشارع ورمي الاتهامات وتحميل المسؤوليات للبلدية أو لفريق سياسي من دون أن يقدم من يدير ويقود تلك التحركات حلولاً للمشكلات التي يرفع لواء الحرص على معالجتها.

 

وتنتهي تلك الأوساط إلى خلاصة مفادها: إن الدفاع عن حقوق الناس وقضاياهم هو واجب من اختاروه ليمثلهم، ولكن ثمة فرقاً كبيراً بين من يقوم بهذا الواجب في مكانه الصحيح وحيث يجب وبالأسلوب الذي يؤدي إلى نتيجة وبين من يكتفي بالصراخ والإنتقاد ويجعل موقفه السياسي من هذا الفريق أو ذاك هو الذي يتحكم بمقاربته لهذا الملف أو ذاك. ثم يعود إلى منزله تاركاً وراءه شارعاً محتقناً ومدينة تحتضر.. فلا يضيء بصراخه عتمة ولا يقدم حلاً لمشكلة!